...مذكرات د.كوثر © 2007-2011 جميع الحقوق محفوظة للكاتبة.لا يمكن نسخ أو استخدام أي من المحتوى بأي شكل بدون ذكر المصدر...

Friday, March 5, 2010

مذكرات ~ 17

أريد أن أكتب مقالا لكل امرئ عربيّ. لكل شعب عربيّ، أقول له فيه أيها الشعب العربي، أنت مسكين! أقول له أنّك لا تمارس أقل حقوقك البشرية في الحبّ والسكن والمكوث مع من يختاره قلبك، أنّ شبابك لا يستطيع أن يجد عملا يكسب منه حياةً إنسانية شريفة تغنيه عن اعتصار قلبه كل صباح بسؤالٍ حائر بشأن المستقبل؛ أقول له أنه مسكين جدًا لأنّه يقبل إهانات كثيرة ورث كيفية تحويلها إلى قناعات بأنها ثمن جنّة عرضها وسيع في الآخرة بقوّة يُحسد عليها سلفه، زرعوا فيك ألغامًا كثيرة ورحلوا، لا تدري أين قبلتك، أرضِعتَ أنّ السكوت عن الحق ينأى بك عن المشكلات، أقنعوا الرجال والنساء بأنّ الإنجاب يجعل الأول يحب المرأة أكثر، وكانوا قد علّموه كيف لا يمدّ يديه ليساعد في تربية الطفل ماديًا أو معنويًا في أيّ شيء بخصوص الطفل لأنّ هذا عمل الأمّهات !.

أصبح الحبّ لديك أغنية ساقطة ومتعة عابرة لا تواصل بين روحين وتكامل بين جسدين، أنت مسكين أيها الشعب العربي، عندما يتزوج اثنان ولا يتفقان فإنهما لا يفترقان، بل يصرّ كل واحد على أن يُبلِي روح الآخر، قبل أن يذهب ليرتوي من أيّ بركة راكدة منسيّة قد أبلاها واحد آخر.

مسكينٌ لأنك، طويلا عليك أن تتحمل ثقل أنفاس حكوماتك، وما تفعله فيك، تضحّي للموت بروحك في سبيل الخروج من وطنك، عوضًا عن الموت فيه كلّ ليلة. مسكينٌ أنت. وأنا بودّي أن أمسح رأسك كيتيم. ثم أحتضنك بحنان جدّة كبيرة لها رائحة التاريخ.


لماذا أتحدث وكأنني لستُ من هذا الشعب؟ ما يحدث أنني أتأمّله بقلمي، فالخطاب إذن موجّه أيضًا لتلك الـ "أنا" التي تمثّل واحدًا من الشعب. أمّا روحي، وقلمي وأوراقي فهي بريئة من الشّعب براءة الذئب من دم يوسف.


لا أستطيع أن أزعم أنني لو كنتُ شابة في الوقت الحالي بأنني سأكون بنفس الحماسة لعزل روحي تمامًا عن ذلك الغبار. ربما لأنني تجرعتُ كل ما يحتاج إليه إنسان سويّ، أشعر بالحرقة الآن على من لا يجدون ذلك. فأنا درستُ بالخارج وأكملت دراساتي العليا مع حبيبي. تذوقتُ الغربة عن الوطن مبكّرًا. وخبرتُ الحياة كما ينبغي، دون جينات مسرطنة.

أيها الشعب العربي. تعال لأحتضنك، ولتبكِ على كتفي، فلن أقيم لك المقصلة.


ذات مرّة سألتُ صديقة لي تكتب في إحدى المجلات المعروفة، عن أسوءِ كوابيسها، فقالت لي:" ألا يقرأكِ من تكتبين له تأتي في المرتبة الأولى، وأن يقرأ لكِ من تكرهين، أن يعرفوا عنكِ أكثر مما تريدين أن يعرفوا، ويزيد الأمر بادّعائهم فهمك ومحاولة التحاور معك، بينما تعلمين تمامًا أن ذلك ضربٌ من المستحيل. وأسوأ من ذلك كلّه، أن يقرأك من تريدين لكنّه يفهمك خطأ، أو لا يفهمك على الإطلاق. كانت هذه جحائمي التي أخشاها حدّ العجز عن الكتابة أحيانًا.. لكن، لو جرّبتِ أن تكتبي، ستجدين أن شهوة الكتابة تعلو على ما سواها، ولا بدّ أن تُشبَع وإلا حدث ما لا يُحمَد عقباه، يمكننا بعد ذلك أن نشرح لمن نحب إذا لم يفهموا، أن نقسو على من يقرأنا رغمًا عنّا، أن نتجاهل النقد الذي لا يعجبنا، لكنّ المهم أنْ تُشبَع هذه الرغبة المتنمّرة "

عندما بدأتُ في كتابة المذكّرات، أخذتُ أتخيّل ماذا سيحدث لو نُشِرَتْ، وقرأها أقرباء زوجي مثلا. عزائي أنّ الكاتب لا يستطيع أن يوقف رغبته في الكتابة وإخراج بعض أسرار حياته وكأنّها قصص عاديّة يحقّ لأي عابر أن يقرأها ويعرفها تمامًا ! وكما تقول صديقتي، سنتعامل بعد ذلك مع ما يأتي. أقارب زوجي، أبنائي. المهمّ أنّ ترتوي تلك الرغبة المجنونة في الـبوح للعالَم.

على أيّ حلّ. لا يوجد طريقة تستطيع أن ترضي بها كلّ الأطراف، هذا معروف منذ الجاهلية الأولى [رضا النّاس غاية لا تُدرَك].. ومع ذلك تظلّ ‘غاية’ وحلم يعيش الكثيرين كي يروه محقّقًا. لم أعتبر نفسي يومًا من الذين يحاولون إرضاء النّاس رغم كرهي للعداوات وصناعة المشاكل. إلا أنّ المرء مع تقدّمه في العمر – وتأخّره في العلاقات – يعلم أنّه من المستحيل ألا يكتسب بعض العداوات هنا وهناك وإن كان يمشي بجوار الجدار ولا يمثّل وجوده تهديدًا حتى لـذبابة!.

هناك من يحقد عليها لأنّها جميلة، ويكرهها، من الرّجال لأنهم يظنونها متكبرة لرفضها الخضوع لنزواتهم، ويلعنون جمالا لا يستطيعون إليه سبيلا، ومن النّساء المتزوجات خوفًا على رجالهنّ، ومن العازبات غيرةً منها !

ذنبي الوحيد أنّني خُلِقَتُ جميلة! كما قالتْ.

بعد أنْ نال درجة الدكتوراه وعاد لبلده ناجحًا ثريًا، وجد لديه عداوات بقدر السنوات التي بقي فيها في الغـربة يتعلّم ويعمل كي يصبح أفضل. ماذا فعل؟ كأنّه ابتاع تلك العداوات بأغلى ما يملك !

ـ

8 comments:

أحمد شريف said...

السلام عليكم
أعجبني القلم وبرغم ما يحتويه من أفكار لها ما لها وعليها ما عليها من وجهة نظري إلا أن الطرح بصفة عامة : أعجبني

77Math. said...

وعليكم السلام والرحمة

شكرًا أحمد، وإن كنتُ آمل في تفصيل أكثر.
:)

شمس العصارى said...

دكتورة
بمشرط جراح ماهر وضع يده على الجراح الغائرة محاولا وصف الصبر
يبقى اكيد دكتورة جراحة
وحتى لو مش طبيبة
مش حنقدر نصفك هنا الا بالطبيبة
كلام جميل
صياغة ولا اروع
معانى مفتقدينها و ننشدها
لكن عذرا هل يكفى البكاء على كتف جدة
ماذا نفعل نحن اجيال بلا مستقبل

77Math. said...

ليت لي شرف أن أكون طبيبة جرّاحة
:D

شكرًا لإطرائك كثيرًا..

بالنسبة لسؤالك عن المستقبل، فعلا لا أدري.. فليس لدي أي أمل بالمستقبل.

كل ما عليك أن تفعله أن تحاول أن تنتزع التوفيق.

تحياتي

أحمد شريف said...

السلام عليكِ
عذراً : تأخرت في الرد
سأعود لأضع رد تفصيلي وربما كان في تدوينة صوتية حسب وقتي

دمتِ بكل ود

mostafa said...

وجدت مدونتك بالصدفة البحته وبالرغم من تقديري العالي لما تكتبين وكيف تكتبينه الا ان الشعور الذي لازمني هو ان العالم وكمثال عالم التدوين شديد الاتساع لدرجة ان الوقت والعمر غالبا ما لن يسمحا بمتابعته الا ان هذا لايمنع ان تكون الصدفه محرك لمعرفة بعض ما لم نعرفه
اتمني ان اجد الكثير من كتاباتك المهمة في زياراتي القادمه
مع عظيم تقديري

77Math. said...

شكرًا للمصادفة التي ألقت بك هنا إذن
:)


تحياتي

أحمد شريف said...

يا الله أعتذر عن عدم وفائي بكلمتي في العودة للرد، لا أعرف كيف لم يتسن لي هذا ؟!
على كل حال وبعد قراءة ثانية

اتوقع أن ما كنت سأطرحه يدور حول الاستغراق في تعميم الرؤية، أنتِ رياضية وأتوقع أن العلاقة الإحصائية لها مكانتها في فلسفتك لكن هنا لم أرّ هذا

مجالي الرئيسي هو البحث الاجتماعي، وعليه حينما أتعرض لموضوع فلا أخضع فروضي فيه لليقين إلا بعد توفر المعلومة الإحصائية حتى لو كانت من السلوك الاجتماعي النفسي الكامن

العنوان الذي وضعته لهذا الموضوع : خطاب إلى النفس العربية ، وما أراه أن فيه بعض التجني على النفس العربية وأتصور أنه من الضروري عدم جلد الذات هكذا خاصة أن التجربة المحكية قد تكون تمت في نطاق زمني أو مكاني ضيق، أليس كذلك ؟
على سبيل المثال حينما أطّلع على دراسة بحثية أو مقال يصور أن حالات الطلاق والتفكك الأسري أصبحت السمة الرئيسية للمجتمع المصري أتصور أن الحالات مثلًا تتجاوز عدد حالات الزواج في العام الواحد ، وأستمع لمعلومات خطيرة، وحينما أذهب لتتبعها إحصائيًا من مصدرٍ دقيق أجد أنه لا أساس لها من الصحة، وأن الإعلام الذي أمتهنه هو الآخر يسوق لسلعة مربحة له
خلاصة القول: لا أحب الاستغراق في تشييع رؤية للمجتمع بدون المعلومة الإحصائية، وإن كنت أجتهد في هذا إلا أنني أقع أحيانًا في ذات الخطأ من وجهة نظري

موقع الجهازالمركزي للتعبئة والإحصاء
http://www.capmas.gov.eg/

لكن بصفة عامة: النص يحمل رؤية أدبية حالمة ونبيلة ومتفردة

ملاحظة عابرة: صحح لي ذات مرة عميد كلية اللغة العربية بإحدي كليات الصعيد لساني قائلًا : لا توجد في اللغة العربية كلمة : أية، والصواب: أيّ
بالتوفيق