...مذكرات د.كوثر © 2007-2018 جميع الحقوق محفوظة للكاتبة.لا يمكن نسخ أو استخدام أي من المحتوى بأي شكل بدون ذكر المصدر...

Friday, March 5, 2010

مذكرات ~ 17

أريد أن أكتب مقالا لكل امرئ عربيّ. لكل شعب عربيّ، أقول له فيه أيها الشعب العربي، أنت مسكين! أقول له أنّك لا تمارس أقل حقوقك البشرية في الحبّ والسكن والمكوث مع من يختاره قلبك، أنّ شبابك لا يستطيع أن يجد عملا يكسب منه حياةً إنسانية شريفة تغنيه عن اعتصار قلبه كل صباح بسؤالٍ حائر بشأن المستقبل؛ أقول له أنه مسكين جدًا لأنّه يقبل إهانات كثيرة ورث كيفية تحويلها إلى قناعات بأنها ثمن جنّة عرضها وسيع في الآخرة بقوّة يُحسد عليها سلفه، زرعوا فيك ألغامًا كثيرة ورحلوا، لا تدري أين قبلتك، أرضِعتَ أنّ السكوت عن الحق ينأى بك عن المشكلات، أقنعوا الرجال والنساء بأنّ الإنجاب يجعل الأول يحب المرأة أكثر، وكانوا قد علّموه كيف لا يمدّ يديه ليساعد في تربية الطفل ماديًا أو معنويًا في أيّ شيء بخصوص الطفل لأنّ ’هذا عمل الأمّهات !‘.

أصبح الحبّ لديك أغنية ساقطة ومتعة عابرة لا تواصل بين روحين وتكامل بين جسدين، أنت مسكين أيها الشعب العربي، عندما يتزوج اثنان ولا يتفقان فإنهما لا يفترقان، بل يصرّ كل واحد على أن يُبلِي روح الآخر، قبل أن يذهب ليرتوي من أيّ بركة راكدة منسيّة قد أبلاها واحد آخر.

مسكينٌ لأنك، طويلا عليك أن تتحمل ثقل أنفاس حكوماتك، وما تفعله فيك، تضحّي للموت بروحك في سبيل الخروج من وطنك، عوضًا عن الموت فيه كلّ ليلة. مسكينٌ أنت. وأنا بودّي أن أمسح رأسك كيتيم. ثم أحتضنك بحنان جدّة كبيرة لها رائحة التاريخ.


لماذا أتحدث وكأنني لستُ من هذا الشعب؟ ما يحدث أنني أتأمّله بقلمي، فالخطاب إذن موجّه أيضًا لتلك الـ "أنا" التي تمثّل واحدًا من الشعب. أمّا روحي، وقلمي وأوراقي فهي بريئة من الشّعب براءة الذئب من دم يوسف.


لا أستطيع أن أزعم أنني لو كنتُ شابة في الوقت الحالي بأنني سأكون بنفس الحماسة لعزل روحي تمامًا عن ذلك الغبار. ربما لأنني تجرعتُ كل ما يحتاج إليه إنسان سويّ، أشعر بالحرقة الآن على من لا يجدون ذلك. فأنا درستُ بالخارج وأكملت دراساتي العليا مع حبيبي. تذوقتُ الغربة عن الوطن مبكّرًا. وخبرتُ الحياة كما ينبغي، دون جينات مسرطنة.

أيها الشعب العربي. تعال لأحتضنك، ولتبكِ على كتفي، فلن أقيم لك المقصلة.


ذات مرّة سألتُ صديقة لي تكتب في إحدى المجلات المعروفة، عن أسوءِ كوابيسها، فقالت لي:" ’ألا يقرأكِ من تكتبين له‘ تأتي في المرتبة الأولى، وأن يقرأ لكِ من تكرهين، أن يعرفوا عنكِ أكثر مما تريدين أن يعرفوا، ويزيد الأمر بادّعائهم فهمك ومحاولة التحاور معك، بينما تعلمين تمامًا أن ذلك ضربٌ من المستحيل. وأسوأ من ذلك كلّه، أن يقرأك من تريدين لكنّه يفهمك خطأ، أو لا يفهمك على الإطلاق. كانت هذه جحائمي التي أخشاها حدّ العجز عن الكتابة أحيانًا.. لكن، لو جرّبتِ أن تكتبي، ستجدين أن شهوة الكتابة تعلو على ما سواها، ولا بدّ أن تُشبَع وإلا حدث ما لا يُحمَد عقباه، يمكننا بعد ذلك أن نشرح لمن نحب إذا لم يفهموا، أن نقسو على من يقرأنا رغمًا عنّا، أن نتجاهل النقد الذي لا يعجبنا، لكنّ المهم أنْ تُشبَع هذه الرغبة المتنمّرة "

عندما بدأتُ في كتابة المذكّرات، أخذتُ أتخيّل ماذا سيحدث لو نُشِرَتْ، وقرأها أقرباء زوجي مثلا. عزائي أنّ الكاتب لا يستطيع أن يوقف رغبته في الكتابة وإخراج بعض أسرار حياته وكأنّها قصص عاديّة يحقّ لأي عابر أن يقرأها ويعرفها تمامًا ! وكما تقول صديقتي، سنتعامل بعد ذلك مع ما يأتي. أقارب زوجي، أبنائي. المهمّ أنّ ترتوي تلك الرغبة المجنونة في الـبوح للعالَم.

على أيّ حلّ. لا يوجد طريقة تستطيع أن ترضي بها كلّ الأطراف، هذا معروف منذ الجاهلية الأولى [رضا النّاس غاية لا تُدرَك].. ومع ذلك تظلّ ‘غاية’ وحلم يعيش الكثيرين كي يروه محقّقًا. لم أعتبر نفسي يومًا من الذين يحاولون إرضاء النّاس رغم كرهي للعداوات وصناعة المشاكل. إلا أنّ المرء مع تقدّمه في العمر – وتأخّره في العلاقات – يعلم أنّه من المستحيل ألا يكتسب بعض العداوات هنا وهناك وإن كان يمشي بجوار الجدار ولا يمثّل وجوده تهديدًا حتى لـذبابة!.

هناك من يحقد عليها لأنّها جميلة، ويكرهها، من الرّجال لأنهم يظنونها متكبرة لرفضها الخضوع لنزواتهم، ويلعنون جمالا لا يستطيعون إليه سبيلا، ومن النّساء المتزوجات خوفًا على رجالهنّ، ومن العازبات غيرةً منها !

’ذنبي الوحيد أنّني خُلِقَتُ جميلة‘! كما قالتْ.

بعد أنْ نال درجة الدكتوراه وعاد لبلده ناجحًا ثريًا، وجد لديه عداوات بقدر السنوات التي بقي فيها في الغـربة يتعلّم ويعمل كي يصبح أفضل. ماذا فعل؟ كأنّه ابتاع تلك العداوات بأغلى ما يملك !

ـ

Thursday, April 16, 2009

مذكرات ~ 16

قالت وفاء، والتي ظلّت صامتة محدّقة بي طيلة الفترة التي حكيتُ فيها: يا لها من حياة ! وانطلقت نورا من عقالها: يا إلهي لم تخبريني بكلّ هذا ! كنتِ دائمًا تحدثينني عن رائد وحبّ الدنيا في عينيكِ حتى خُيّل إليّ أحيانًا أنّه جدّي لا سواه، لم تحدثيني أبدًا عن جدّي بأكثر مما تتحدث عنه بطاقتي الشخصية. وأنا الأخرى، كيف لم أسألك، ربما في حضرة حكاياتك مع رائد لا يعود لأي شخص آخر أيّ حضور.


ابتسمتُ وأنا أجرجر الذكرى، لأصبّ لنفسي فنجانًا من القهوة، وآخذ لوحًا من الشوكولا، ضربًا بتعليمات الطبيب عرض الجدار، رددتُ: تحليل منطقي.

نطقت ريم أخيرًا: تعرفين. لقد ذكرتِ للتوّ ما سيحدث لي إن خضعتُ لضغوط أهلي والمجتمع من حولي، والذين ما إن يروني في مكان ما، لا يهتمّون إلا بسؤالي إن كنتُ قد تزوجتُ أم لا، ثم يلحقون ذلك بدعواتهم المعجونة بالشفقة أو التشفّي، هل تعرفين كم أضحك عليهنّ؟ خصوصًا على واحدة تدعو لي باستعلاء وكأنها تراني أمدّ يدي كغريقة من بئر إلى زوج معرض عنّي، بينما هي قد وجدت من ينظر في وجهها ويتزوجها، رغم أنني متأكدة أنه لم يعد يفعل، بمنظرها ذلك الذي بالكاد يجعلني أنا أنظر إليه عندما تحدّثني! لكنّ هذه ثقافة عالمية في مجتمعنا، أن نسألك عن أشيائك الملموسة، التي نراها. مع أنّنا ندّعي الإيمان بالغيب والملائكة والله والرسل، وكل هؤلاء لم نرهم يومًا، لكننا لا نسأل بعضنا إلا عما نراه، لا نؤمن فعليًا إلا بما نراه، وندّعي الإيمان بالغيب، عدا هاتِه الفتيات اللاتي يجلسن أمامكِ الآن، فإن الأسئلة لا تتعدّى: شربتِ، أكلتِ، لبستِ، ذهبتِ، جئتِ. حتى يا سيدتي لا يسألون إن كان هناك ما يوجعني، رغم أنه شيء ملموس أيضًا، لكنْ. من يهتمّ لوجع الآخر؟


هؤلاء المخبولات فقط هنّ اللاتي يبادلنني أسئلة عن الأحوال النفسية والمعنوية والقلبية وأسئلة أخرى غريبة جدًا لكننا نفهمها، تلك التي لا يفهمها أيّ أحد، رجلا كان أو امرأة.


أنا أحبّ رئيسي في العمل، رغم أنه متزوج لكنني أحبّه. كلّما حاولتُ أن أبتعد عنه لأعقد مع نفسي هدنة كي لا أظهر شيئًا من حقيقة ما أشعر، وأنّ كل ما أشعر به وهم عليّ التخلص منه، وحتى لو افترضنا أنّه حقيقة فإنّه شخص غير متاح لي، أجد ضعفي قد تضاعف. وأجدني على استعداد لأعترف له بحقيقة مشاعري وليحدث ما يحدث، لولا بقيّة أخيرة من عقل، أو قَدَر لا دخل لي فيه، وكأنّ الله يحميني من نفسي ويحميه منّي! عندما جاءت عروض طلب لنقل بعض الموظفين إلى فرع الشركة بدبي، أردتُ أن أذهب لأبتعد، ربّما كان الاقتراب المادي هو سبب انجذابي له، كما يقول خبراء علم النفس والاجتماع، وقبل أن أطلب الذهاب، قال لي أنّه لا يستغني عن وجودي بجواره، بالطبع كان ذلك كافيًا لينسف فكرة الرحيل عن بكرة أبيها. لا تقلن لي أنّه يقول لي ذلك كموظفة لديه، سئمتُ تلك التحليلات التي تقولها لي الحريم، المتزوجات خصوصًا، إحداهنّ عندما أخبرتها بذلك أخذت تقصّ لي الحكايا تريد منّي أن أتخيّل كم هو سعيد مع زوجته، ولا يفكّر بي ولا بمعاناتي على الإطلاق، وربما يفكّر في الهديّة التي يجلبها بمناسبة عيد الحبّ- ربما على أمل بريء أن أقع على الفور في حبّ زميلي الأعزب! والذي ليس له زوجة مغرمة به-

ليت الأمور تسير بهذه السهولة التي نتحدث بها! حالتي تطورت مؤخرًا.. أو بالأصح، أصبحت متأخرة - بلغة مرضى السرطان! وما الحبّ إلا سرطان؟ وما الرغبة في محبوبنا إلا خلايا سرطانية تنهش في جلودنا وتنتشر دون أن نستطيع السيطرة عليها؟ - مؤخرًا، أصبحتُ أريده بشدّة. اكتفيتُ من حديث الأرواح هذا. أريد أن ألمسه. أعانقه. أريد أن أتذوق قبلته وأشعر بملمس شاربه على شفتيّ. اعذرنني. لكن هذه مطالب طبيعية في الحبّ أليس كذلك؟


كانت ريم تتحدث بانفعال عاشقة، أستطيع أن أفهمها تمامًا. اعتذرتُ لهنّ بعد أن وافقتُها على كلامها. سأحتاج لاحقًا لمزيد من التفاصيل عن حكايتها، عندما تهدأ ثورتها وتنطفئ رغبتها المتأججة، وأتمنى ألا يكون الوقت حينئذ قد فات على شيء ما.


دخلتُ مخدعي بعد أن عرضتُ عليهن المبيت عندي، فالوقت قد تأخّر كثيرًا. على وعد بألا تكون هذه جلستنا الأخيرة معًا. وافقن جميعًا على المبيت بعد أن قمن بما يلزم من اتصالات لطمأنة من ينتظرهنّ وإخبارهم ألا يفعلوا.


كلام ريم قلّب الذكرى التي أخذت تتساقط أمامي كزخّات المطر على واجهة زجاج سيارتي، عندما أخبرتُه أنني أريد أن أفارقه بالمعروف لأول مرة، حدث موضوع السفر إلى أمريكا، تلك المرة التي رأيتُ فيها رائد، وعادت إليّ روحي فيها. عرفتُ بعدها أنّها كانت ما يشبه الرشوة، كي أنسى طلبي، الذي طلبتُه قبل الرحيل، وأن أبقى على ذمّته مقابل أن أزور رائد كما أشاء ومتى أشاء. نعم! هذا ما حدث! لكنني أصررتُ على طلبي. فوجئتُ حينها بغضب هادر، وأسلوب نقاش لم يفاجئني كثيرًا قدر ما أخافني، وأصررتُ أكثر على عدم العودة إلى مصر إلا بعد وعد كامل بالانفصال أوّل ما نصل. لكنّه لم ينفّذ وعده أبدًا. لأنّ الله أراد له أن يرحل قبل أن يفعل، وكأنّ الله يعلم أنه لن ينفذ وعده أبدًا وهو على قيد الحياة. لن أكذب. لم أبكِ كثيرًا، بكيتُ على حالي. وبكيتُ عندما شعرتُ أنني قاسية القلب لأنني لم أبكِ عليه!


لكنّني عرفت بعد ذلك أنها ليست قسوة قلب، فهل من واجب الزوجة أن تبكي زوجها إن مات؟ أي زوجة؟ وأي زوج؟ ما أعرفه تمامًا أنه من واجب أيّ محبّ أن يبكي على فراق حبيبه بموت أو فراق. وعرفتُ أنّ البكاء فعل حبّ، وليس فعل أمر وجَبْرْ. أحيانًا يكون فعل ضعف وعجز. شعرتُ بحريّة غريبة. وكأنني قد أطلق سراحي. أوّل شيء فعلته بعد انقضاء عدّتي، أن وعدتُ رائد أنّ حياتي كلّها له، وأنني لن أتركه أبدًا. وبدأتُ في مراسلة الجامعة في مصر لإرسال أوراقي للعمل في أمريكا ريثما يُشفى حبيبي.


د.كوثر
ابريل 2009



Friday, March 13, 2009

مذكرات ~ 15

فاجأتني بسؤالِها، ليس لأنّني خشيتُ الاعتراف بالإجابة.. إنّما لأنّه – فجأة – فجّر في وجهي قنبلة الماضي دون تمهيد للألم والندم واللذان هبطا عليّ كماء بارد ألجمني للحظات عن الردّ..

- أنا آسفة، لم أقصد أن أثير ما يضايقك.

هكذا قالت الشابّة بعد أن رأت ردة الفعل الأوليّة على وجهي الممتعض الشاحب، لكنني أشرتُ إليها بأنها لم تفعل شيئًا، أخبرتها أن سؤالها عاديًا جدًا وفي سياق الحديث، وأنني التي لم أكن أعلم من أين أبدأ.. وحكيتُ كثيرًا يومَها.. حكيتُ كما لم أحكي لأحد.. ربّما لأنني وجدتُ نساء مثلي أخيرًا.. نساء لا يُذكّرنَنِي بأمّي، التي لم أجرؤ أبدًا على الحديث معها عن حياتي الخاصّة، لأنّها رأت أنني هكذا اكتملتُ، واكتملت حياتي أخيرًا لمجرد وجود المذكر في حياتي كزوج، لم أجرؤ أن أخبرها، أنني ومنذ اليوم الأول لنا معًا، كرهته، وأصبحت أتعامل معه كشيء لا بدّ من وجوده، لماذا لم أنفصل عنه؟ لا أدري حقًا ماكان السبب، الخوف على أمّي أم لمجرّد اليأس لأنني لم يعد لديّ شيء أفقده بعد أن فقدت حبّي الحقيقي والوحيد.. أنا التي لم تجد شيئًا لتمدح زوجها به.. ورغم ذلك كنت لا أذمّه أبدًا أمام أبنائه، لأنني لم أشأ أن تصاب نفسيّاتهم بخلل يجعلهم غير قادرين على تكوين العلاقات السويّة فيما بعد..

لم يتح لي أن أعرفه جيًدا قبل الزواج، ولم أهتمّ لذلك لأنني – كما سبق وذكرت- لم يعد لديّ شيء أخسره، ولم أعد أرى الزواج إلا كواجب ثقيل عليّ القيام به.. لكنني رغمًا عنّي تمنيتُ أن يشبه رائد، وصُدِمتُ فيما بعد، عندما وجدتُ أنه لا يقترب مقدار ذرة من الريادة ولا الرجولة التي كنتُ أحلم بالحصول عليها.

لم أستطع أبدًا، لفترة طويلة جدًا من حياتي أن أنسى كيف بدأنا حياتنا معًا، كلما تذكرت ما حدث وقتها، وتذكرتُ وجه أمي السعيد جدًا، كرهتهما معًا، وكأنني أحمّلها عبء ما حدث لي، بل وكأن سعادتها هذه بالتحديد سبب ما حدث..

تخيّلتُ أشياء وردية لم أر منها شيئًا، تخيّلتُ أننا سنتحدث كثيرًا وكلّ منا ينظر للآخر وكأنّه يأخذ بيديه ليتعرف على أعماقه، تخيلتُ أنه سيأخذني بين ذراعيه ويقول أنه لا يريد إلا أن نكون أصدقاء بالأساس، وأننا سنترك أجسادنا تتعرف على بعضها برويّة ودون تدخّل منّا، وأنّ على العشق عندما يأتي أن يجدنا في انتظاره ليصنع لنا لحنه الخالد مانحًا إيّانا بهجته الكبرى التي طالما قرأتُ عنها وسمعت النساء تتهامسن عنها.. كان فضولي غامرًا حتى أفقت على صدمة الحقيقة..

لم يحدث أيّ شيء مما حلمتُ به، فوجئتُ بشخص غريب يدّعي أنّ له الحق في خلع ملابسي بفظاظة، وممارسة كل ما يحلو له في أرضي دون تبادل كلمة واحدة وكأنني صماء بكماء، دمعت عيناي كثيرًا وسط ذهولي ومحاولات فاشلة لتبادل الحوار، نظرتُ إليه منكفئًا على وجهه نائمًا لا يشعر بوجودي، سخرتُ لحظتها وقلت: وكأن كل ما كان يريده هو حبوب منوّمة لا زوجة من لحم ودم ومشاعر!

وذهبتُ لأغسل روحي مما حدث لها، بكيتُ وانتحبتُ كثيرًا جدًا.. وتذكرتُ رائد.. هل كان سيفعل بي هذا؟ مستحيل.. رائد مختلف في كلّ شيء، كم اشتقتُ إليه.
صرتُ بعدها لا أرى سوى رائد، أترك زوجًا لستُ معه يفعل ما يشاء لأنني، أنا، في عالم آخر حيث عاشقان يتبادلان الصلاة الخاشعة في محراب الحب المهيب.

قلت: وتسألينني عن الذمّ؟ لا يوجد امرأة لاتذمّ زوجها أمام الأخريات إلا امرأة عاشقة يفهم زوجها كيف يتحاور معها عقلا وجسدًا، ويعرف متى يخاطب عقلها ومتى يخاطب جسدها وكيف. ولم يكن زوجي كذلك، لم يكن يعرف أبعد من حدود جسده ورغباته، ولم يحاول حتى أن يقترب من مدني ليطرقها، ولا ليتعرّف على سكّانها.. وأصحاب هذا التفكير من الذكور لا يظهر تعاملهم هذا فقط في الفراش.. بل تجدهم كذلك في كافّة تعاملاتهم.. يؤمنون بأن على الأنثى أن تحترم ما يقول، تتبنّى نظرياته العامّة، تنفّذ ما يأمرها به، درجة أنه حاول عدّة مرات أن يثنيني عن العمل! لكنني كنت أفضّل الموت على ذلك، ماذا سيبقى لي؟ هؤلاء الرجال يسهل التعرّف عليهم، لكنني لم أحاول أن أعرفه، ستجديه إمّا يترك لك كافة الحرية في الاختيار ظاهريًا ثم عند أصغر موقف جاد يلوي ذراعك لأجل سماع أوامره الحكيمة جَبْرًا، وإمّا منذ البدء سيوحي لكِ بألا شيء ينفذ دون إذنه الكريم، ولا نَفَس زائد دون تصريح مرور من شخصه الفاضل.
يسهل كشف أمثال هؤلاء، والذين يوحون لنسائهم بأنهم حاموا حمى المرأة، وأنّ عليها أن تمنحهم ثقتها كاملة دون سؤال! وألا تراجعهم فيما يقولون أو يفعلون! ويخلقون بطولات لاقِبَل لهم بها، وعند المواجهة تجدينه صغيرًا في أخلاقه، يتصرف كحشرة، تريد أن تنفث سمّها وتفرّ، يثبت وجوده بالصراخ واصطناع الأهوال، لا يحفظ سرًا ولا يحترم عهدًا..


من السهل جدًا أن أقول، أنهم أكبر المنافقين والأفّاقين، فما أن يضمنوا إحكام قبضتهم على امرأة، إلا ورموا في وجهها كل المسؤولية، وألقوا على عاتقها أمورًا كانوا يتغنون سابقًا أنها من تخصصهم، فلا أذكر أنه ساعد أبناءه في دروسهم، ولا حدثهم عن آمالهم وأحلامهم إلا فيما صدف، وكان يترك عبء مسؤوليات البيت والأبناء بالكامل عليّ أدبرها كيف أشاء، يلقي أوامره فقط فيما لا يفقه بين حين وآخر، ليثبت لنفسه أنّه صاحب الكلمة العليا، ولا يهتمّ بشيء سوى بعمله وأمواله..كان منتجًا مع الجميع إلا في بيته، كان مستهلكًا، تمامًا كالدول العربية.

لا أدري بالتحديد متى عرف بأمر رائد، ربما سمعني أتحدث مع أحدهم، أو أنني نطقتُ باسمه وأنا مغيّبة قبل إفاقتي من التخدير أثناء إحدى ولادتيّ، وهو الاحتمال الأقرب للصحة، لكنني لم أحاول أن أتأكد ولم أهتمّ لذلك.. فكلامه الذي زاد قسوة بعدها..واتهاماته لي بأشياء باطلة لا أساس لها، منبعها ليس بغيرة عليّ، وإنما على نفسه، كان يقسو مرّات عديدة.. وفي كلّ مرة يعتذر يزيد يقيني أنني أخطأتُ.. وأنّه حان الوقت لإصلاح خطئي.



د.كوثر
مارس 2009


Tuesday, December 2, 2008

مذكرات ~ 14

قالَتْ: هنّ مجموعة من المخبولات فِكْريًا.. أتُرى لذلك لم يحظينَ بأزواج وأطفال كالنساء الأخريات؟

ملأتُ لها فنجان القهوة مرّة أخرى ..

أكملَتْ بعقل غائب وكأنها تشرب خمرًا: رغم أن كلّ واحدة فيهن تعيش قصّة حب عريضة ليس لها أوّل من آخر .. لكنّ أيًّا منهن تزوجت، أتظنين أن العيب فينا ؟ وأننا نهرب من مسؤولية الحمل والإنجاب ومن ثمّ البقاء حبيسات المنزل؟ والتحوّل إلى شيء من القطع الكبير، ليتحوّل نظر أزواجنا إلى رشيقات التلفاز أو العمل ؟ وينسون يومًا كيف كنّا، وننسى نحن أيّ شيء آخر ويتخلّف عقلنا عدّة سنوات ثم يستقر للأبد في وعاء للمحشي؟

لم أضْحَكْ، رغم أنني أردتُ ذلك بشدّة، بينما أخذَتْ هي تمحو ما تساقط على جانب فمها بمنديل وأشارتْ لي أنّها ستملأ فنجانها بنفسها هذه المرّة، أشرتُ لها أن تتناول بعض الشوكولا، فالقهوة بمذاق الشوكولا لها طعم آخر سِحري، وأومأتُ لها أنني أصغي، فأكملَت بحزنْ: أكره الصورة التي تربينا على أنّ من المفترض أن نكون عليها.. لأنّها فاشلة، الكثير من الآباء أراهم صامدون لأجل انعدام خياراتهم الأخرى، لا تلوميني لأنني رفضتُ أن أتزوج المعيد الذي أحببتُ، قال أنّ عليّ أن أسافر معه فورًا وأنا لستُ مستعدة لذلك، ربما أخطأتُ، لكنّه أرسل لي مؤخرًا أنه لن يتزوّج سواي وأنه سينهي دراسته ويأتي، وسواء ذهبتُ إليه أم انتظرتُه فهو يقول أنّه على الوعد، هل تصدقين هذا ؟

تضحك بيأس .. ثم تذهب لتفتح الباب .. بينما أذهب لأجلب المزيد من القهوة للضيفات !

نورا حفيدتي، تقوم بملاقاة صديقاتها كل فترة وأخرى، عرضتْ عليّ أن يكون الاجتماع لديّ، ولم أمانع، أريد بشدّة الجلوس مع الشابّات والاستماع لحكاياتهنّ ومحاولة تقديم أيّ مساعدة ممكنة .. حتى لو كانت مساعدتي هذه .. مجرّد الإصغاء .. وتقديم القهوة !

دخلتُ فإذا بالفتيات جالسات، بادرتني نورا قائلة: ريم مرّت وأقلّت الجميع بسيارتها.. خشين أن يزعجنكِ إن جئن على دفعات !

ضحكتُ طويلا وأخبرتهم أنني مازلتُ في شبابي ! صحيح أن عُمري يزداد مع الزمن باطرّاد مرعب، وأنني أصبحتُ عجوزًا منذ ولجتُ عقدي الثاني تقريبًا، لكنني ما زلتُ شابّة ! ولستُ بالتي تصرخ فزعًا عندما يرنّ جرسٌ ما..

عرّفتني عليهنّ نورا ..

ريم .. تعمل في إدارة الأعمال بإحدى الشركات الكبرى، توفي أبوها حينما كانت مراهقة، وهي وحيدة والدتها.. قالت ريم فيما بعد: ولا أدخل أو أخرج دون أن أسمع دعواتها عليّ بمن يسترني، وتضحك طويلا .. ثم تقول: دائمًا ورغمًا عنّي أتخيّل كلما قالت ذلك، أنني عارية وأنّ هناك رجل لابد أن يأتي وفي يده ملابس لكي يستر عُرْيـي في أسرع وقت !


منال، زوجة وأم لا تعمل .. خرّيجة جامعية وتحضّر دراسات عليا في إدارة الزوج ! هكذا يطلقن عليها رفيقاتها، فتلوي فمها تعبيرًا عن الحزن، ثم تقوم لتحضر شيئًا تأكله !

قالت نورا تحكي قصّتها: صديقتي هذه أحبّت شابًا عبر الشَبَكَة، لكنّها لم تستطع أن تُخْبِرَ أهلها، ولمّا تقدّم لها زوجها الحالي، وهو شخص مقتدر ماديًا والأهل يعرفان بعضهما جيّدًا .. ما الذي يمكن أن يمنع إتمام هكذا زيجة؟ منال شخصية جميلة جدًا لكنّها استسلمت للمجتمع درجة أنّها سريعًا ما تحطّمت بقيوده، كلّنا قلنا لها ذلك، لكنّها كانت أضعف من أن تقاوم، كما أنّها الآن أضعف من أن تقاوم أو تغيّر أيَّ شيء !

قالت منال تحكي: تصوّروا، ذات مرّة ونحن نشاهد التلفاز والملل يقتلنا ببطء مستفزّ، أردتُ أن أفعل شيئًا فاخترعتُ لعبة ارتجالا، قلتُ له – وأنا أعرف تمامًا أنه مشاهد جيّد للتلفاز والأفلام الأجنبية- ما رأيك أن نجرّب القُبَل الأجنبية بالترتيب، ونرى أيّهما تفوز، وغمزتُ له .. لأجد أنّ ملامحه تحوّلت ليهبط عليّ إعصار من الأسئلة: من أين عرفتِ هذه اللعبة، ومن علّمكِ إياها ! وأسئلة ونظرات شكّ يمكن فقط أن تتأتي ببالك لو أنّ الشخص الذي أمامك تراه لأول مرة في مصعد ما، أو في حافلة أو محطّة قطار .. وليست زوجتك لأكثر من عامين !!

ضحكت وفاء مقاطعة: أعتذر عن المقاطعة، لكنّ حديثك ذكّرني بأمنية لديّ، هي أنّ بودّي أن أرى امرأة واحدة فقط في الكون لا تذم زوجها أمام الأخريات! يبدو أنني لن أرى هذه المرأة أبدًا، لذلك أحاول أن أكونها، منذ صغري وأنا أسمع شكوى النساء من أزواجهنّ، وكنتُ بسذاجتي أقول أحيانًا: لماذا لا تطلبين الطلاق؟ فأصدمهنّ بإجابتي المتسائلة حتى يلهوني بأيّ شيء آخر، ربّما محاولة منهنّ للتغطية على الخطأ الجماعي الذي يمارسنه بشكل علني، لقد اتخذتُ قرارًا .. الرجل الذي أدافع عنه في غيابه هو من سأتزوجه فورًا !

أهذا هو نصيبي من اسمي كما أُفَلسِفَ قضيّتي؟

والتفتت فجأة تجاهي متسائلة: هل كنتِ تذمّين زوجك يا سيدتي؟




د.كوثر
ديسمبر 2008

Wednesday, November 5, 2008

مذكرات ~ 13

عن "مفطروا رمضان" أتحدث... وجمعيّة "المفطرون في رمضان".. هذه الجمعيّة وكما يبدو من اسمها تضمّ أعضاء يجب أن تتوفر فيهم عدة مؤهلات، أهمها: حبّ الاختلاف عن المجتمع والافتخار بذلك، سواء كان ذلك مبنيًا على حق أم على باطل، لا يهم إن كان ذلك مخالفًا للدين أم لا !

المهم الاختلاف الشديد الذي يجعل الأنظار تتجه إليك والأصابع تمتد نحوك !

المساكين، لا يعلمون أنّما يؤذون أنفسهم، بإعلان إفطارهم في رمضان، والاحتجاج على فرض من فرائض الله، دون دراسة متأنية، أوتفريق بين مخالفة المجتمع فيما يفعله من أخطاء، ومخالفته بفعل ما لا يقوم به من أخطاء !

أتفق معهم في أنّ المجتمع ينافق نفسه، مجتمعٌ يَغْسِلُ أسْنَانَه ثلاثًا في الصَّباح بينما رائحته الكريهة نابعة من لِسَانِه، يُـعْلِنُ التَّوْبَةَ في رمضان دون أن ينويها حقّا كديدن حياته، يقوم بتوقيع عقد توبة –مؤقت-معلوم الأجل، المساجد ممتلئة، التسامح على أشدّه، اصفعني على خدّي الأيمن فسأدير لك الأيسر أيضًا لأنّ"رمضان كريم"..
وبعد رمضان تجد كلّ شيء عاد لما كان عليه، المساجد تخلو من روّادها، وتسقط الأخلاق ثقيلةً فلا تجد من يحملها.. ونطالب بضريبة لكلّ الصفعات الماضية !

إذن؛ هل تكون مخالفة المجتمع في نفاقه اللا متفق عليه هذا بعدم الصوم أصلا كإثبات غير معلن باستمرارية الحال والثبات على المبدأ ؟ كيف – داخليًا- ينتفي إحساس النفاق لمجرد الأكل والشرب بينما المجتمع صائم؟ أليس في هذا نفاق للذات؟وخداع لها ؟

لكنّنِي – رغم مأخذي على من يفعل ذلك - لا ألومهم كُلِيًّا، لأنّ الذين يُعْلِنون فعليًا أو قوليّا أنهم خلفاء الله في الأرض، وأنهم مصدر دينه وحَمَلَة رسالته السماوية أوّل من يقوم بتشويه الكثير من المفاهيم لدى العامّة _ والعامّة ليست سبّة بالمناسبة كما أسمع كثيرًا .. ! أنا من العامّة في الطب- رغم أنني مررتُ بما لم يمرّ به أحد، ومرضت بفنون الأمراض وعولجْتُ ومازلتُ - بينما من العلماء في بعض فروع الإحصاء مثلا .. ! هذا تخصصي فقد أفنيتُ عُمْرِي أُبحِرُ في هذا العِلْم، كي لا يأخذني الاستطراد بعيدًا _ كنتُ أقول أنّ من يدّعي أنه مصدر للدين، أوّل من يُنَفِّر الناس منه، بتصرّفاته وتعاملاته الغريبة ..

وفي الدّين – كما الحبّ-، كلمّا زاد جهل المرء زادت سعادته، وقلّ القلق والتفكيـر .. كما الحكمة القائلة: إذا لم تعرف إلى أين أنت ذاهب، فكلّ الطرق مناسبة! كل الطرق ستجعلك تصل، سواء اخترتَها أنتَ أم اختارها لك أحدهم ! لا فارق ..

لأن أصحاب هذا المذْهَب"العلاقة الـمُطَرّدة (الجهل، السعادة)" يعيشون لإشباع رغباتهم الأساسية، الغرائز الإنسانية-الـ"طـينيّة" إن كان يمكن أن نسمّيها كذلك ! فلا يشغلهم سوى ماذا سنأكل اليوم، متى أتزوج، ماذا سأسمّي أبنائي، وتحقيق هذه الأشياء هو الشغل الشاغل والغاية القصوى منذ الوعي، وتجد أنها التعريف الأوحد لكلمة استقرار، ومفردات سكن!

صحيح أنني تزوجتُ وأنجبتُ، تزوجتُ لأرضي أمّي فقط، ولم يتسنّ لي أن أتزوج الشخص الذي أحببتُه، لكنني لم أفكّر يومًا في الزواج على أنّه الاستقرار المُنْتَظَر ! وكنتُ أرى أنّ وراءه من المسؤوليات ما هو أكبر من أن يجعلني بهذه السعادة، لطالما كانت سعادتي الحقيقية في جلسات الأصدقاء نتبادل الأحاديث، أو نتشارك عملا ما، أو نتغدّى سويًا .. ربما لو تزوجتُ من أحب لكان الأمر مُخْتَلِفًا ! ولوجدتُ ذلك "الاستقرار" الذي يزعمون ! أقول ربّما !

كما أنّ التعمّق وكثرة التفكير أو البحث حول الدّين – كما الحبّ أيضًا !- في أفضل أحواله يؤدي إلى الفصام !
أو إلى الجنون !

الدين، قد يؤدي الخوض فيه والانغماس لدرجة كبيرة في تفصيلاته؛ إلى الانفصال عن المجتمع تمامًا على أقلّ تقدير!

والعيش في عالَم مختلف، أو التعرّف على بعض من يشاركوننا عزلتنا لننعزل سويًّا..

في أفضل الحالات يكون الفصام، والانقسام في رؤية جُلّ ما يفعل المرء إلى منظورين، أحدهما يؤكد له أنه برد حلال، والثاني يؤكد أن مقعدًا له محجوز في الجحيم!

بينما في الحبّ، يكون الفصام درجة أقلّ عن الجنون بـمقدار شَعْرَة ! عندما يُغْضِبْنا المحبوب في أمر ما، فلا ندري أيّ التصرفين أحقّ بالأخذ، أنخبره أننا غضبنا لما فعل، أم نغوص أكثر في بحر المعاناة وحدنا بينما سفينتنا تُبْحِر بمنتهى الأمان على الوجه!

"سأذهب إليه لأسلّم عملي، كلا .. عندما تأتي صديقتي الآن سأعطيها عملي لها ولتذهب هي به إليه"

ذلك أننا نعتبر أن مجرّد ذهابنا هو اعتراف غير معلن بالحبّ، وتصريح بأن الشوق قد غَلَبَنَا، ورفع لراية الضعف ولو بيننا وبين أنفسِنا، وربما لا يفقه الطرف الذي نهتمّ به كل هذا الهراء الذي يعتمل داخلنا، وهو ما يزيد من فصامنا !

قياسًا على ذلك الكثير من التصرفات التي ننقسم أمامها أمام طريقين متناقضين تمامًا .. في الدّين .. وفي الحبّ!

البعض يقوم بتسهيل الأمور .. فيختار "لا" طوال الخطّ .. طوال حياته تجده يرفض كلّ شيء، كلّ جديد، كلّ موقف يحتاج منه إلى تفكير أو قرار ستكون إجابته لائيّة-فكلّ حلّ (نعم) له مشكلة-، والبعض الآخر يقوم بتسهيلها باختيار"نعم" فكلّ الأشياء قابلة للتنفيذ أيّا كانت، أي موقف يحتاج إلى قرار فـ "نعم" ولن تحدث مشاكل في الحياة بـالموافقة! ..

أنتم يا من صنعتُم مشكلة بتعقيداتكم وسماحكم بحريّة اللغة لتحوي "النعم" والـ"لا" ! ما الذي يجعل من اللغة إذنْ متحَكِّمًا فينا إلى هذا الحدّ ؟

هوّنوا عليكم، فليستِ اللغة دليل سعادة البشر، ولا كلّ ما جاء فيها جاء لنستعملُه !

ربما يكون لديك محمولا به إمكانات مهولة، ولا تستعمله سوى لإجراء المكالمات وتبادل الرسائل النصيّة فقط!

ما المشكلة إذن؟ أنت حتى لا تستطيع أن تهاتِف بوساطته من تريد، ولا يأتيك عبره كُلَّ صباح صوتٌ تحب أن تسمعه كي تقضي بقية يومك بأبسطِ التعابير .. "حَيًّا" !

أين المشكلة إذن؟



د.كوثر
نوفمبر 2008

Friday, October 3, 2008

مذكرات ~ 12

"ثمّة نوعان من الرجال، نوع يشعرني أني أنثى، ونوع يلحّ باستمرار لأكون له أمًّا.."


من وجهة نظري في الحياة، حياتي – وهي ليست بالقصيرة أبدًا- ؛ لم أجد نوعًا ثالثًا بعد ! حتى الأخ يريد من أخته أن تعامله كما تعامله أمه !


لا يوجد ذلك النوع الذي يحب المرأة بضعفها وجنونها ويفهمها حين تحتاج إلى صديق يسمعها، مقولة ماجدة .. كن صديقي .. لم تنبع من فراغ، لأنها لم تجد – على الأرجح- سوى ذانِك النوعين، بينما تبحث عن نوع ثالث.


ذلك الذي لا ينتظر من المرأة مقابلا ماديّا مقابل اهتمامه ووقته، ولا استماعه لها، لا ينظر إليها على أنّها كائن مخلوق لمتعته الخاصّة، ولا لخدمته والفناء من أجل أن يكون "عظيمًا خلفه امرأة!"


لا أعرف من يمكنه ممارسة هذا الدور بجدارة سوى أبّ، مع أنه أحيانًا يريد من ابنته أن تعامله بحنو الأم، إلا أنه الصديق المثالي حتى الآن.


أيام الجامعة تصوّرتُ أنّني وجدتُ هذا النوع الثالث .. تلك الفئة من الرجال التي لا تشعر المرأة بالخجل من وجودها أمامهم، ولا تودّ الهروب بأسرع وقت للتخلّص من نظرات أعينهم، بعض زملائي في الجامعة كانوا من تلك الفئة الثالثة – أو هكذا ظننتُ- إلى أن اكتشفتُ أن مقولتي الأولى هي الأصح والأعم .. لا يوجد نوع ثالث مهما هُيئَ للمرأة وجوده!


كنا مجموعة كبيرة من الأصدقاء والصديقات، طيلة سنوات الدراسة معًا .. تعارفنا كان في مكتبة الجامعة، بدأ التعارف عندما وجدنا أنفسنا نبحث عن ذاتِ الكتب، نقرأ في نفس المجالات، نتحدث عن نفس المواضيع، فانضممنا إلى بعضنا إلى طاولة واحدة ذات مرّة، ومنذها ونحن معًا حتى آخر سنة لنا في الجامعة، كان أصدقاؤنا الشباب حقّا من أفضل الرجال الذين قابلتهم في حياتي، ذلك النوع الثالث المريح، الذي لا تودّ الهروب منه، بل تفضّل أن تقضي معه يومك كلّه دون ملل، وكانت صديقاتي كذلك .. كنّا فريقًا رائعًا .. كنا نجلس في كافتريا الكليّة في أوقات فراغنا، أو نخرج لنتمشى معًا .. وقمنا بعدّة رحلات سويًا والتي تقيمها الجامعة، والصور تشهد على سعادة تلك الأيام .. فالابتسامة فيها صادقة، والنفوس صافية.


كانت أيامًا رائعة من حياتنا.. انتهت بعد أن انتهينا من الدراسة.. للأسف..


بعض الشباب التحق بالخدمة العسكرية، وبعض الفتيات تزوجن وسافرن، البعض الآخر تقدم للبعض الأُخَر ولم يُقدّر لبعض العلاقات أن تكتمل فساهم هذا في تفريق الشمل أكثر !


المهم أنني الآن على علاقة بالبعض فقط، الذين سمحوا لي بأن أظل على علاقة بهم !


الإنسان هو الذي يحدد متى قد تنتهي علاقة ما، ربما لا يحدد متى تبدأ \ كيف أو أين، لكنه وحده يقرر متى ستنتهي، عندما يرى أن مشاعره مستـنـزفة أكثر من اللازم، وأن جهوده تضيع بلا تقدير وعطاءه يذهب دون مبادلة .. فإنه –بوعي أو بدون- ينسحب تدريجيًا – نفسيًا- أو ماديًا من علاقة كهذه.


والإنسان وحده أيضًا يحدد إن كان يريد أن تستمرّ علاقته بأحدهم، فإنه يصرّ على الوصول إليه مهما كانت الظروف، ربما في شبابي كانت الأمور أصعب، بسبب وسائل الاتصالات البدائية حينها، لكنّ الأمر لم يكن مستحيلا كذلك، لكننا الآن نتعثر بمن لا نريد، إن لم يكن في الشـارع ففي منتدى، في مدونة، أو حتى في الفيس بوك !


بينما لا تحدث تلك المصادفات السعيدة مع من نشتاق إليهم ونرغب أن تتعثر بهم أعينـنا على أرصفة الحياة وطرقات مشاويرنا، ولا أعلم السبب الحقيقي لذلك، قديمًا كانوا يفسّرونها بـ: اللـي تـخـاف منّـه تلاقيه !


الآن أفسّرها بأننا عندما نريد شيئًا حدّ المـوت، فإننا نعلم يقينًا مسبقًا أنّ ذلك لن يحدث، وإلا انتقل الفعل من خانة"الرغبة" إلى خانة" التوقّع"، كم نلعب على وتر الـ"لعلّ وعسى" أو "ربما"؛ أنا أسير في الطريق الذي أعلم جيّدا أنه لا يقاطعك، وآمـل أن أصادفك فأصادف شخصًا لا أريده يسكن في الجوار وآتي للتحدث عن فلسفة رؤية من لا نريد وهذا الهراء !


ليس لديّ تفسير آخر في الواقع، ربما يتعلق هذا بالـ"حظ"، أنا لا أعتبر نفسي محظوظة، في الغالب كنتُ وكما يقول شباب هذه الأيام"فَـقْـر"، لكن ضربات الحظ عندما تأتيني فإنها تنسيني حقًا أيّ سوء حظ سابق.!

د.كوثر

اكتوبر 2008

Wednesday, September 3, 2008

مذكرات ~ 11

كم هو رقيق ذلك الحدّ الفاصل بين الخيال والواقع

الكتابة - وكما تقول مستغانمي - تغيّر علاقتنا مع الأشياء، وتجعلنا نرتكب خطايا، دون شعور بالذنب، لأن تداخل الحياة والأدب يجعلك تتوهم أحيانًا أنّك تواصل في الحياة، نصًا بدأت كتابته في كتاب

مخيفة لكنها حقيقة ! شخصيّا حدث لي هذا كثيرًا .. كم من مرّة كدت أفعل ما لا يمكن التفكير أبدًا في مجرد الإتيان به، وكم مرات أُخَر فعلتُ ما لا يُصدّق أو قلتُ ما فُغِرت له الأفواه.. لمجرّد أنني كتبتُ ذلك في قصّة أو قرأتُه في رواية ! أو - ببساطة- هكذا تفكّر بطلة رواية ألّفتها في خيالي!

الكتابة تجعلنا نخلط بين الواقع والخيال وتجعلنا نعيشُ شيئًا ثالثًا لا هو بحياة تطبيقية ولا هو بخيال بحت !

خليط لزج .. هلامي.. لن يفهمه إلا كاتب، أو قارئ نهم .. ولم يجرّبه إلا مجنون !

ذلك .. أنه - سوى الكتاب - لا يشترك معهم في ذلك سوى المجانين.. لأن حياتهم التي يعيشونها خاصّة بهم .. لا يستطيع أن يفهمهم باقي البشر، ولا يستطيع الدخول إلى عالمهم الخاص من هو من خارج فئتهم

وعلى قدر ما تُعَرّينا الكتابة، وتكشف مشاعرنا أمام الآخرين، فإنها تجعلنا أكثر شكًا بأنفسنا ! لأننا نكتشف بأنفسنا أشياء لم نكن نعرفها ونتلمّس مناطق خَطِرة في أرواحنا لم نعتقد أنها كانت فينا كلّ هذه المدّة .. لأننا بالكتابة قد نعبّر عن أشياء نريدها حقيقة ولا نستطيع - لبقيّة من واقعيّة- أن ننفذها، فنواسي أنفسنا بممارستها حِبْرًا على ورق .. نعطي حروفنا بُعدًا بعرض ورقة .. ونبقى أضعف من أن نمنح أنفسنا أيّ بُعدٍ لنعيشها .. فنكتفي بالتفنن في حياةٍ نصنعها نحن .. نعيشها نحن فقط .. داخل أقلامنا وبين أوراقنا ..

لذلك .. إن حدث وجعلتنا الحياة في موقف عشناه من قبل على الورق، تصرّفنا كما يتصرّف بطل الرواية تمامًا وأكملنا ما بدأ على الورق !

" عندما قلتُ له أنني أحبه .. توقّعتُ ردًا مماثلا .. لقد قالت لي عيناه ذلك من قبل ! .. لكنني استيقظتُ على صوت أقدامه مبتعدًا وهو يتهمّني بالجنون" !

****

نورا أيضًا تكتب، إنتاجها لا بأس به أبدًا .. بل يمكن أن أقول، أنها موهوبة كبيرة .. أخبرتها أن تراسل المجلات والصحف .. أن تحاول أن تنشر ما كتبته كي لا تختنق كلماتها في أدراجها .. كما هي حالتي، فقد أفقتُ متأخرًا جدًا .. ذلك أننا - نحن العرب- لا ندرك قيمة أغلب الأشياء إلا بعد رحيلها، ولا أغلب الأشخاص إلا بعد فقدانهم، تجدنا طالما هم موجودون لا نعبأ بهم، فإن غابوا عنّا ضعنا .. وبكينا ندمًا على كبرياءٍ جاء مسبقًا على غير موعده، وانتظارٍ طال دون طائل

نحن لا نصنع التماثيل إلا للذين قُتِلوا شرّ قتلة فداء لما يسمّى بالوطن، أو للذين أفنوا حياتهم في سبيل أن يستمتع الآخرون، نحن لا نقدّم لهم شيئًا، فقط نصنع هذه التماثيل لأنفسنا .. لأننا لم نكتفِ بحياتهم، بل تمادينا في ذلك وأردنا منهم أن يلهمونا حتى بعد أن أصبحوا رفاتًا .. نصوّر لهم حياةً غير حقيقية ونضعهم أمامنا .. لأننا أنانيون !

وندّعي أننا بذلك نخلّد ذكراهم .. وأن ذلك تكريمًا لهم !

أي تكريم ذلك في أن تكون على هيئة حجارة يمرّ بك العالم والجاهل .. عرفك من عرفك وجهلك من جهلك ؟ برأيي، يكون التكريم الحقيقي في تركِ الميّت بسلام في رقدته !

يتذكره محبّوه في أروقةٍ للذكرى، فيما بينهم وبينه، يتحدثون عنه، بلا صخب زائف.

****

لماذا تأتي علينا بعض الأوقات تكثر فيها الأسئلة؟ ورغم عمري هذا والآثار التي تركها في وجهي ونفسي زمنٌ ليس كأي زمن ! إلا أن أسئلتي، دائمًا موجودة .. ودائمًا بلا أجوبة

بعضها محمول معي منذ الأزل، منذ بدئي ! لم أجد له جوابًا بعد .. وبعضها متجدد .. تأتي بها الأيام على غفلة

عندما كنتُ صغيرة كنتُ دائمًا أتساءل، ماذا لو لم أوجد ؟ كيف سيكون مصيري؟ وهل كنتُ سأشعر بذلك؟ هل كنتُ سأفضّل المجيء على البقاء في العتمة؟ ولماذا نفصل الرجال عن النساء دائمًا ولا ينفصل أبي عن أمي؟

في مراحل متأخرة تعددت أبعاد الأسئلة وتوحشّت أكثر .. وبدأت تتخذ منحًى عرفتُ بعدها أنه خطٌ أحمر لا يجوز الاقتراب منه، ولا أتعظ .. كمن يريد استراق النظر من فرجة صغيرة إلى عالم آخر لا يستطيع أن يعقله


كم أودّ لو وجدتُ صفحة FAQ لكلّ منا يعود إليها عندما تتأزم لديه الأمور، صفحة تكون مرجعًا خاصًّا بي وحدي، أسأل فيها أسئلتي الخاصة والحميمة .. تلك التي لا أريد أن أسأل أحدًا عنها ..لأن استشارة الناس في بعض الأشياء لا تأتي بخير.. بغض النظر عن المستشار.

لكن، من قال أن حياتنا مجرّد صفحة ويب؟


د.كوثر
الشهر التاسع 2008